عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
513
اللباب في علوم الكتاب
قال ابن الخطيب : والجواب : أن هذه الآية دلّت على أنّ الإيمان حصل بتخليق اللّه - تعالى - : لأن الإيمان حسنة [ والحسنة ] « 1 » هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، والإيمان كذلك ؛ فوجب أن تكون حسنة ؛ لأنّهم اتّفقوا على أنّ قوله وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [ فصلت : 32 ] أن المراد به : كلمة الشّهادة ، وقيل في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] قيل : هو قول لا إله إلّا اللّه ؛ فثبت أنّ الإيمان حسنة ، وإنما قلنا : إن كل حسنة من اللّه ؛ لقوله - تعالى - : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وهذا يفيد العموم في جميع الحسنات ، وإذا ثبت أنّ الإيمان حسنة ، وكلّ حسنة من اللّه ، وجب القطع بأنّ الإيمان من اللّه . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله : « من الله » هو أنّ اللّه قدّره عليه ، وهداه إلى معرفة حسنه ، وإلى معرفة قبح ضدّه الذي هو الكفر . قلنا : جميع الشّرائط مشتركة بالنّسبة إلى الإيمان والكفر « 2 » عندكم « 3 » ثمّ إنّ العبد باختيار نفسه أوجد الإيمان ، ولا مدخل لقدرة اللّه وإعانته في نفس الإيمان ، فكان الإيمان منقطعا عن اللّه - [ تعالى ] « 4 » - من كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ؛ فثبت بدلالة هذه الآية أن الإيمان من اللّه ، والخصوم لا يقولون به ، وأمّا بيان أنّ الكفر أيضا من اللّه فلوجوه : أحدها : أن كلّ من قال : الإيمان من اللّه قال الكفر من اللّه ؛ فالقول بأحدهما « 5 » من اللّه - تعالى - دون الآخر - مخالف لإجماع الأمّة . وثانيها : أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر ، فالقدرة الصّالحة لإيجاد الكفر : إمّا أن تكون صالحة لإيجاد الإيمان ، أو لا ، فإن كانت صالحة لإيجاد الإيمان ، [ فحينئذ ] « 6 » يعود القول في أنّ إيمان العبد منه ، [ وإن لم تكن صالحة لإيجاد الإيمان ، فيكون القادر على الشّيء غير قادر على ضدّه ، وذلك عندهم محال ؛ فثبت أنّه لمّا لم يكن الإيمان منه ، وجب ألّا يكون الكفر منه ] . وثالثها : أنّه لمّا لم يكن العبد موجدا للإيمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى ؛ وذلك لأنّ المستقلّ بإيجاد الشّيء هو الّذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدّنيا عاقلا ، إلّا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو [ الإيمان والمعرفة والحقّ ، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو ] « 7 » الجهل والضّلال والاعتقاد الخطأ ، فإذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه ، وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحقّ المطابق ، وجب ألّا
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في ب : وبالكفر . ( 3 ) في أ : عندهم . ( 4 ) سقط في أ . ( 5 ) في ب : بأن أحدهما . ( 6 ) سقط في أ . ( 7 ) سقط فيذ أ .